Monday, December 9, 2013

فلسطين

المشهد الفلسطيني بعد ثلاثين عاما من السلام




ظلم اليهود بنيك حين تحكموا
و أري الأولى باعوك كانوا اظلما

لم أجد ما ابدأ به هذا المقال معبرا عن الحال سوى هذا البيت لشاعرنا الكبير احمد محرم و هو يستجلي أحداث الزمن فيما آل إليه حال فلسطين و المسجد الأقصى بعد أحداث 5/ يونيه 1967 .و ما يحدث الآن بفلسطين من أحداث مؤسفة مفجعة لم تكن وليدة اللحظة و إنما كانت نتيجة حتمية لمجريات الأحداث منذ عهد بعيد وفق ما هو مخطط و مرسوم بدقة متناهية؛ حينما ركض العرب وراء السراب فاستسمنوا ذا ورم و نفخوا في غير ضرم فتعددت راياتهم و تمزقت كلمتهم فلم تعد تسمع حيث انجرف الحكام بأمصارهم إلى أوهامهم فسيقوا إلى الشبهات و أوضار الشهوات لهثا وراء السلطة راكعين لأسيادهم طمعا في الذهب و خوفا من اللهب ، فأخذوا بأذناب البقر و رضوا بالزرع و تركوا الجهاد فسلط الله عليهم الذل فتهتكت أستارهم وتكشفت أسرارهم . والناظر في التراث العربي يجد موقفين عن نصرة الثغور و المستضعفين الأول في الأندلس في القرن الثاني الهجري في عهد الحكم بن هشام الأموي الربضي حينما علم إن امرأة بالبادية وقع على أهلها عدوان إذ قالت : يا غوثاه بك يا حكم لقد أهملتنا حتى كلب العدو علينا فايمنا و أيتمنا. فنادى الحكم بالجهاد و أمر بالاستعداد و اعد العدة و العتاد فغزا تلك الناحية و اثخن فيها و فتح الحصون و ضرب رقاب الأسرى أمام تلك المرأة حتى شفي صدرها و أنكى عدوها. الموقف الثاني في العهد العباسي في القرن الثالث الهجري في المشرق العربي ، و هو موقف المعتصم العباسي من المرأة التي استغاثت به في عمورية و صرخت وا معتصما فأجابها المعتصم و نصرها و فتح عمورية فوثق تلك الحادثة الشاعر أبو تمام في القصيدة المشهورة التي أولها :
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد و اللعب
و يدل الموقفين على إن النجدة توجد أينما وجد العربي و متى توفرت له العزة و المنعة و قوة السلطان.
أعود إلى ما حدث بأرض الأقصى من خلاف و تقاتل بين فتح و حماس و ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من الخوف و الإيذاء فأقول نتج ذلك من الاستدراج الذي تعرض له القائمين بالأمر عبر المحادثات السرية والمؤتمرات فاغتروا بتحقيق سلام شامل زائف و سلطة مزعومة وحقوق مهضومة فتبدلت مواقفهم فخانوا و لانوا و هانوا و استكانوا . فمنذ ذلك الزمن المشؤوم في سنة 1977 م حين وقع السادات المستدرج في شباك السلام المزعوم فبدأ مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن مباحثات السلام فقام بزيارة إسرائيل في عام 1978 و و قع اتفاق الاستسلام في كامب ديفيد بأمريكا عام 1979م الذي ترتب عليه انسحاب إسرائيل من سيناء 1982 و نص على منح الفلسطينيين حكما ذاتيا في الضفة الغربية لنهر الأردن و قطاع غزة لمدة خمس سنوات . و توج ذلك الاستسلام و كسر الإرادة العربية بمنح جائزة نوبل للسلام بالمناصفة بين السادات و رئيس وزراء العدو مناحيم بيجين . و قد كان ذلك استدراجا و شبكة وقع فيها صيد ثمين فانهارت العزائم و وهانت نفوس العرب و مقاومتهم وذهبت نخوتهم فانقادوا إلي مؤتمر مدريد الذي انعقد في 30/ أكتوبر/1991 م بمباركة بوش الأب و جورباتشوف و دعيت إليه إسرائيل و سوريا و لبنان و الأردن و مصر و الفلسطينيين بدعوى تحقيق سلام عادل و شامل بمفاوضات مباشرة .و تلى ذلك المحادثات السرية بين الفلسطينيين و الإسرائيليين و اتفاقيات في أوسلو و توقيعات كامب ديفيد و شرم الشيخ ولقاءات مباشرة و غير مباشرة بين السلطة الفلسطينية و حكومات إسرائيل المتعاقبة التي واصلت اجتياحها للمدن الفلسطينية و مارست الإرهاب و القتل و الاختطاف و التدمير و العزل بالجدار و المقاطعة المسنودة من دول الظلم و الاستكبار الولايات المتحدة و الدول الأوربية و ما دار الحديث بعده من أكاذيب اللجنة الرباعية و الوعود التي لم تحفظ حقوق الفلسطينيين و لا غيرهم حتى وصلنا إلى واقع مرير حدا بزعيم الجامعة العربية السيد/ عمرو موسى بالإقرار بأن عملية السلام قد ماتت و وصفها بأنها ضحك على العرب فأصبحنا نبحث عن السلام الضائع في المبادرات العربية التي قطعا لن يؤخذ بها لأنها مقدمة من الضعفاء و العملاء الذين تسابقوا لإنقاذ إسرائيل من حزب الله حينما تهاوت و انهارت جداراتها الأمنية و الحدودية مع لبنان مخافة تسلل المجاهدين و الغاضبين .
إن ما تعرض له الفلسطينيين مخطط مرسوم بدقة و مبارك من قبل الحكام العرب الذين اقفلوا الحدود و أوصدوا المنافذ تضييقا على الفلسطينيين حتى غدوا يبحثون عن السراب فتخلت سلطتهم عن التمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني فصارت أداة لينة طيعة في يد أعدائها فقبلت بالسلطة الاطارية المحدودة تحت وصاية الاحتلال الذي لم يحترم اتفاقياته وفي ظل غياب الضمير الإنساني و القانون الدولي و ادعاءات جمعيات حقوق الإنسان و المجتمع المدني فمارست إسرائيل الابتزاز و التنكيل بالشعب و رموزه فأسرتهم و قيدت حركتهم ؛ فسقطت شرعية السلطة الفلسطينية في نظر الشعب فلجأ إلى انتخاب تيار المقاومة و استيأس حتى غدا لا يسمع لهم كلمة و أصبحت السلطة الأمنية بأيدي المليشيات فضاعت الآمال وضاع اتفاق مكة المكرمة وحنث الجميع بقسمهم.
إن ما تعرض له الشعب الفلسطيني من انقسامات و خلافات لم بكن انقلابا كما بدا للبعض ولم يكن ظاهرة عارضة ناتجة عن التطرف لدى حماس أو تشبث بالسلطة من حركة فتح كما يصفه البعض ولم يفشل مشروع السلام و اتفاق أوسلو نتيجة المقاومة الفلسطينية وإنما صارت الأمور إلى ما نحن فيه نتيجة لمجريات التاريخ و السياسة و الوصاية الدولية . يا سادتي إن الأمر واضح و إنني اعتقد إن ما يجب فعله الآتي:
- على ممثلي الشعب الفلسطيني سواء أن كانوا في حركة فتح أو حركة حماس عليهم أن لا يعولوا على المجتمع الدولي سيما في الوضع الراهن في معالجة مشاكلهم و حل قضيتهم ، و عليهم البعد عن التدويل و البعد عن المبادرات و المؤتمرات و اللجان المشتركة لان التجارب السابقة كفيلة بان تؤخذ في الاعتبار مثلا ماذا فعلت مباحثات السلام التي بدأت قبل ثلاثين عاملا ألم يكن نتاجها حصاد الهشيم ؟ وكم عدد الأسرى من حركة فتح وحدها في سجون العدو ؟ و كم عدد المبعدين ؟هل أخذت إسرائيل بمقررات المجتمع الدولي و قرارات مجلس الأمن أين القرار 242 القاضي بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية ؟ وهل غدا الهم الوحيد لرئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن لقاء رئيس وزراء العدو بصورة دورية ؟ ثم ماذا تحقق من تلك اللقاءات ؟ و ماذا فعل التدويل في أزمات المنطقة غير تعقيد الأمور و زرع الفتن بين أبناء الوطن الواحد و لكم في السودان نموذجا في( أبيي ) و في ( دار فور ) وفي مؤتمر المانحين في أوسلو و دونكم تجربة العراق وأفغانستان ولبنان ( المحكمة الدولية ) .
- على حركتي فتح و حماس أن تجلسا بهدوء و أن تتقيدا بإطار المسئولية الوطنية و التاريخية و احترام القاعدة الجماهيرية و أن تلتزما بالمطالب العادلة للشعب الفلسطيني الذي قطعا لم يفوضكم لتجلسوا على كراسي السلطة و تصبح همكم الأساسي و ضياع حقوق المواطنين و زيادة معاناتهم
- التأسي بمنهج السالفين المخلصين من أبناء الأمة الفلسطينية من المجاهدين و الزعماء الذين قدموا القضية العادلة و تطلعات أبناء الأقصى إلى المجتمع الدولي و حققوا مكتسبات لصالح القضية .
- إن بتفرقكم هذا ستفشلوا و تذهب ريحكم ولن تبلغوا شيئا لا عن طريق السلطة المحدودة التي تتنازعون عليها ، و لا عن طريق الركض وراء سراب المبادرات و اللجان التي تضم كل شاد و حاد وحاسد وحاقد و جاحد ومتاجر بالقضية.
يديرون في تهويدها كل حيلة و يأبى لها إيمانها أن تتهودا
لهم في فلسطين القبور و لم يكن ثراها لأهل الرجس مثوى ومرقدا
- إن الفلسطينيين بحاجة إلى تقييم تاريخ كفاحهم البطولي حتى يقفوا وقفة مراجعة و تمحيص شاملة لتجربتهم النضالية و الاستفادة من الدروس و العبر والتجارب من حركات التحرر في بعض الدول مثل جنوب أفريقيا و أفغانستان و ليبيا و الجزائر و المجاهدين في العراق و لبنان.
و لا حول و لا قوة إلا بالله.


No comments: